محمد طاهر الكردي
325
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وقيل : غير ذلك من الأقوال التي ذكرناها في أصل هذا الكتاب وهي تسعة أقوال . واللّه أعلم بالصواب . وأما جمعها وصرفها فذكر جوازه جماعة من العلماء منهم النووي لأنه قال : وجمعت على عرفات وإن كان موضعا واحدا ، لأن كل جزء منه يسمى عرفة ، ولهذا كانت معروفة كقصبات ، قال النحويون : ويجوز ترك الصرف ، كما يجوز ترك صرف غايات وأذرعات ، على أنها اسم مفرد لبقعة . اه . انتهى من شفاء الغرام . نقول : إن ما ذكره العلامة الفاسي من الأقوال في تسمية عرفة ، إنما هو بحسب الظاهر ، والحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها ، هي أن الأسماء لا تعلل ، فعرفة اسمها عرفة من قديم الأزمان . وعرفات هي أشهر من نار على علم ، وكل من حج لا بد له أن يقف بعرفة لخبر : « الحج عرفة » فمن أحرم بالحج ووقف بعرفة فقد أدرك الحج وعليه إتمام بقية الأعمال ، ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج ، فلا يطالب ببقية الأعمال ، وإنما يطالب بالتحلل كما هو معروف في كتب الفقه . وفضل يوم عرفة معروف فهو يوم عظيم فيه يتجلى اللّه تعالى على عباده الذين وقفوا به متجردين من الثياب والزينة ، يدعونه ويلبون ويستغفرونه ، يتجلى اللّه على هذا الجمع الغفير بالرحمة والغفران والعتق والإحسان ، وإنه تعالى ليباهي بهم الملائكة وهو الغني عن العالمين ، كل هؤلاء لا يرجون في ذلك اليوم إلا اللّه ، ولا يدعون إلا إياه ، نشيدهم الروحي « لبيك اللهم لبيك » ، وشعارهم الديني « لا إله إلا اللّه ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون » ، قد تركوا أوطانهم وفارقوا أولادهم ، وكشفوا رؤوسهم ونزعوا ثيابهم وأبدلوها بالإحرام الأبيض كالأكفان ، ووقفوا في صحراء عرفات وميدانه امتثالا لأمر اللّه وابتغاء لمرضاته . وفي يوم عرفة نزلت الآية الكريمة : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . ويعقب يوم عرفة يوم العيد الأكبر ، عيد الأضحى المبارك ، وكم وقف ويقف بعرفات من الأمم الماضية والآتية منذ وجود البيت الحرام إلى قيام الساعة ، والحق أن يوم عرفة ليوم عظيم ، فيه تسكب العبرات ، وتقال العثرات ، وترتجى الطلبات ، ويوم عرفة أعظم المجامع على وجه الأرض ، قد اختلط فيه الأبيض بالأسود